الدراسة الإقليمية التحليلية المقارنة حول:

"السلوك الانتخابي النمطي لدى النساء في العالم العربي والاختراقات الظرفية: نحو الانتقال من التمثيل السياسي الكمي إلى التمثيل السياسي النوعي"

14/09/2026

ملخص تنفيذي

للدراسة الإقليمية التحليلية المقارنة حول: "السلوك الانتخابي النمطي لدى النساء في العالم العربي والاختراقات الظرفية:

 نحو الانتقال من التمثيل السياسي الكمي إلى التمثيل السياسي النوعي"

 

تتناول هذه الدراسة، «السلوك الانتخابي النمطي لدى النساء في العالم العربي والاختراقات الظرفية: نحو الانتقال من التمثيل السياسي الكمي إلى التمثيل السياسي النوعي»، الكيفية التي تتشكل بها مشاركة النساء في العملية الانتخابية، والعوامل الاجتماعية والسياسية والثقافية والاقتصادية والمؤسسية المؤثرة في قرارات التصويت والترشح والعزوف، وفي طبيعة تمثيل النساء وفاعليتهن بعد الوصول إلى المؤسسات المنتخبة. وتنطلق من أن قياس التقدم في المشاركة السياسية للنساء لا ينبغي أن يقتصر على معدلات التصويت أو أعداد المرشحات والمنتخبات، بل يجب أن يشمل درجة استقلالية القرار السياسي، ومعايير الاختيار، وشروط المنافسة، والقدرة الفعلية على التأثير في السياسات وصنع القرار.

ولا تفترض الدراسة أن النساء يشكلن كتلة انتخابية متجانسة، أو أن الانتماء الجندري يتقدم بالضرورة على سائر الانتماءات والمصالح السياسية والاجتماعية. ولذلك لا يُعدّ تصويت المرأة لمرشحة، في ذاته، دليلًا كافيًا على استقلالية القرار أو الخروج عن السلوك النمطي، كما لا يدل تصويتها لمرشح رجل تلقائيًا على غياب الاستقلالية. ويتحدد معنى الاختيار وفق الكيفية التي تشكّل بها، ومدى استناده إلى الوعي والحرية والمفاضلة بين البدائل وتقييم الكفاءة والبرنامج والأداء والمصلحة العامة.
تعتمد الدراسة مفهوم «السلوك الانتخابي النمطي» للدلالة على الأنماط المتكررة في التصويت والترشح والتمثيل والعزوف، والتي تتشكل تحت تأثير البنى الاجتماعية والثقافية والسياسية والمؤسسية السائدة. كما تستخدم مفهوم «الاختراق» للدلالة على كل انحراف ذي دلالة عن نمط سابق أو مهيمن، يظهر في مستوى أو أكثر من مستويات العملية الانتخابية، ويكشف أن النمط السائد لم يعد مطلقًا، من دون أن يعني زواله أو تحوله بصورة شاملة. أما «التحول» فيشير إلى تغير أعمق يتسم بالاتساع والتكرار والتراكم والاستدامة والقدرة على الانتقال بين مستويات الترشح والتصويت والتمثيل والفاعلية.
اتبعت الدراسة مقاربة تحليلية مقارنة يغلب عليها الطابع النوعي، واستعانت بالمؤشرات الكمية الوصفية لتوضيح الاتجاهات المستخلصة من المادة الميدانية. وجمعت بين مراجعة الأدبيات والدراسات والتقارير والبيانات الانتخابية، وتحليل الاختراقات في ست دول هي الأردن وتونس والعراق والمغرب ومصر ولبنان، ودراسة ميدانية في أربع منها هي الأردن والعراق ومصر ولبنان. واستند الجانب الميداني إلى مقابلات نوعية مع ثلاث فئات: السياسيات والمرشحات والفاعلات الحزبيات والمدنيات، والناخبات المنتظمات، والناخبات المتقطعات والعازفات. ونظرًا إلى الطبيعة القصدية والمحدودة للعينات، تُقرأ النتائج بوصفها مؤشرات نوعية وتفسيرية لا نتائج تمثيلية قابلة للتعميم الإحصائي.
تكشف الدراسة أن السلوك الانتخابي للنساء في العالم العربي يتشكل من خلال تفاعل مركب بين العائلة والقبيلة والطائفة والحزب والثقافة السياسية والموارد الاقتصادية والإعلام والنظام الانتخابي. ولا تعمل هذه المحددات بالوزن نفسه أو بالطريقة ذاتها في جميع الدول. ففي بعض السياقات تتقدم الولاءات العائلية أو القبلية، وفي أخرى يبرز العامل الحزبي أو الطائفي، فيما تتداخل الاعتبارات الخدماتية والزبائنية مع ضعف الثقة بالمؤسسات وجدوى المشاركة. ويؤثر كثير من هذه العوامل في الرجال والنساء معًا، إلا أن النساء يواجهن قيودًا إضافية ناتجة من اختلال توزيع الموارد والنفوذ واستمرار التصورات التي تربط القيادة والمجال السياسي بالرجال.
وتبين النتائج أن الاستقلالية السياسية لا تمثل حالة ثنائية تفصل بصورة حادة بين الاستقلال والتبعية، بل تتخذ درجات ومسارات متراكمة. فقد تدخل المرأة المجال السياسي عبر حزب أو عائلة أو كوتا، ثم تكتسب بالممارسة والخبرة والشرعية الشخصية هامشًا أوسع من الاستقلالية. وفي المقابل، قد تكون مستقلة تنظيميًا، لكنها تبقى مقيدة بضعف الموارد أو النظام الانتخابي أو الثقافة الاجتماعية. لذلك لا يتحدد مستوى الاستقلالية بمسار الوصول وحده، بل بمدى المشاركة في صنع الخيارات والقدرة على مراجعتها والتأثير فيها.
كما خلصت الدراسة إلى أن الأنظمة السياسية والانتخابية ليست أطرًا محايدة، بل تؤثر في فرص النساء في الترشح والمنافسة والتمثيل. وقد أسهمت الكوتا والقوائم الانتخابية والتعيين والإصلاحات القانونية في إحداث اختراقات واضحة في الحضور العددي للنساء. غير أن هذه الآليات لم تؤدِّ تلقائيًا إلى تغير موازٍ في سلوك الناخبين والناخبات، أو في آليات الاختيار داخل الأحزاب، أو في استقلالية النساء المنتخبات وفاعليتهن. وقد تفتح الكوتا المجال أمام تراكم الخبرة وتغيير صورة المرأة السياسية، لكنها قد تتحول أيضًا إلى سقف للتمثيل إذا ظل فوز النساء محصورًا في المقاعد المضمونة ولم يمتد إلى المنافسة المفتوحة.
وتفاوتت مستويات الاختراق في أبعاد السلوك الانتخابي. فقد كان الترشح أكثر قابلية للاختراق بفعل الإصلاحات المؤسسية واتساع التعليم والانخراط المدني والتحولات الجيلية ولحظات الانفتاح السياسي والاحتجاج. أما السلوك التصويتي، فشهد تغيرات جزئية تمثلت في تصاعد أهمية الكفاءة والبرنامج والإنجازات والمساءلة إلى جانب استمرار الانتماءات الأولية. وبقيت مرحلة التمثيل والفاعلية أكثر مقاومة للتحول، لأن ارتفاع عدد النساء المنتخبات لم يقترن دائمًا بوصول مماثل إلى مواقع القيادة أو بامتلاك الموارد والقدرة على التأثير في التشريع والرقابة وصنع القرار.
وتظهر المقارنة أن الاختراقات تختلف في مصادرها وطبيعتها. ففي مصر، برز اختراق مؤسسي مدفوع من أعلى من خلال النصوص الدستورية والكوتا ونظام القوائم، وأدى إلى قفزة في تمثيل النساء، مع بقاء التساؤل قائمًا بشأن استقلالية هذا التمثيل وفاعليته واستدامته. وفي لبنان، ارتبط الاختراق بصورة أكبر بالحراك المدني والاحتجاجي، ولا سيما بعد انتفاضة 17 تشرين، وظهر في اتساع الترشح وتنوع خلفيات المرشحات وصعود خطاب الكفاءة والتغيير، لكنه بقي محدودًا في النتائج بسبب استمرار قوة النظام الطائفي والأحزاب وشبكات النفوذ والموارد غير المتكافئة.
 
أما في الأردن، فاتخذ الاختراق طابعًا إصلاحيًا تدريجيًا جمع بين توسيع الكوتا وفتح مسار للوصول عبر القوائم الحزبية الوطنية، من دون اكتمال الانتقال إلى منافسة حزبية وبرامجية مستقلة عن البنى العشائرية والمحلية. وفي العراق، ظهر اختراق متعدد المصادر جمع بين الكوتا والإصلاحات الانتخابية وتأثير الاحتجاجات والتحولات في وعي بعض الناخبات، وبرز في فوز نساء خارج المقاعد المخصصة وتصاعد أهمية بعض المعايير الأدائية، مع استمرار التأثير القوي للأحزاب والقبيلة والعائلة والطائفة في المجال السياسي.
وتدعم حالتا تونس والمغرب، في التحليل النظري المقارن، النتيجة المتعلقة بأهمية القواعد المؤسسية واستدامتها. فقد أتاح الانفتاح السياسي ونظام التناصف في تونس توسعًا كبيرًا في ترشح النساء وتمثيلهن، لكن التراجع عن الضمانات الانتخابية وتقلص المجال السياسي كشفا هشاشة الاختراق وعدم تحوله إلى مسار بنيوي مستدام. وفي المغرب، أدى الإصلاح المؤسسي المتدرج إلى تطبيع حضور النساء في العملية الانتخابية ورفع تمثيلهن، لكنه لم يلغِ استمرار الاعتماد على المسارات المخصصة أو الفجوة بين الحضور العددي والنفوذ السياسي.
وتكشف الدراسة الميدانية وجود قاسم مشترك بين الدول الأربع يتمثل في بروز الكفاءة والبرنامج والأداء بوصفها معايير متقدمة في تقييم المرشحين والمرشحات، من دون اختفاء تأثير العائلة أو القبيلة أو الطائفة أو الحزب. ويشير هذا التعايش إلى أن الاختراق لا يحدث عبر إحلال نمط جديد كامل محل النمط السابق، بل من خلال تعدد المعايير واتساع هامش المفاضلة الفردية وتراجع الاحتكار النسبي للولاءات التقليدية لدى بعض الفئات.
كما أظهرت مقابلات المتقطعات والعازفات أن عدم التصويت لا يعني بالضرورة اللامبالاة أو الانسحاب من السياسة. فقد يرتبط العزوف بعدم الثقة بالمؤسسات أو بنزاهة الانتخابات، والشعور بمحدودية أثر الصوت، وعدم الاقتناع بالخيارات المتاحة، وقد يتخذ طابعًا نقديًا أو احتجاجيًا. ولذلك لا تكفي حملات الحث على التصويت لمعالجة العزوف، بل يتطلب الأمر تعزيز الثقة وجدوى المشاركة وتوفير منافسة سياسية حقيقية وخيارات ذات مصداقية.
وتخلص الدراسة إلى عدم وجود علاقة خطية أو تلقائية بين ارتفاع التمثيل العددي والتحول النوعي. فزيادة عدد النساء تمثل اختراقًا مهمًا لنمط محدودية الحضور، لكنها لا تكشف بمفردها عن مصدر الاختراق أو عمقه، ولا تضمن الاستقلالية أو الفاعلية أو التأثير. ويتطلب الانتقال إلى التمثيل النوعي توافر شروط تشمل تكافؤ الموارد وفرص المنافسة، وديمقراطية الأحزاب، والوصول إلى المواقع القيادية، والحماية من العنف السياسي والرقمي، والقدرة على المشاركة في صياغة السياسات والتشريعات، وبناء أشكال من التعاون حول القضايا المشتركة من دون افتراض وجود أجندة نسائية موحدة.
وبناءً على ذلك، توصي الدراسة بتطوير مقاربة شاملة لتمكين النساء سياسيًا تربط التصويت والترشح والتمثيل والفاعلية، وتراجع أثر الأنظمة الانتخابية والكوتا بصورة دورية، وتحافظ على المكاسب العددية مع العمل على تجاوزها نحو منافسة أكثر تكافؤًا. كما توصي بتعزيز الديمقراطية الداخلية للأحزاب وشفافية اختيار المرشحين والمرشحات، وتوسيع وصول النساء إلى مواقع القيادة والموارد والتمويل والإعلام، وتطوير آليات مواجهة العنف السياسي والانتخابي والرقمي.
وتدعو الدراسة إلى بلورة إطار عربي مرجعي للتمكين السياسي، وتطوير مؤشرات لقياس جودة المشاركة تتجاوز الأعداد إلى الاستقلالية والفاعلية والتأثير، وإنشاء مرصد عربي للسلوك الانتخابي والمشاركة السياسية للنساء. كما تؤكد أهمية تصميم برامج التمكين انطلاقًا من السياقات الوطنية، وإعادة توجيه برامج التوعية نحو الاختيار الواعي والمساءلة واستعادة الثقة، ودعم مسارات مستدامة للقيادة السياسية، ولا سيما لدى الشابات.
وفي المحصلة، تؤكد الدراسة أن الاختراقات المرصودة في الدول العربية حقيقية، لكنها متفاوتة وغير مستقرة، ولا تسمح بعد بالحديث عن تحول مكتمل في السلوك الانتخابي أو في بنية التمثيل السياسي. ويعتمد انتقالها إلى تحول أكثر رسوخًا على قدرتها على التراكم والاستمرار والانتقال من زيادة الترشح والتمثيل إلى تغيير معايير الاختيار، وتعزيز استقلالية النساء وفاعليتهن، وإعادة توزيع النفوذ داخل الأحزاب والمؤسسات والمجال السياسي. وبذلك، لا يكون الهدف النهائي مجرد زيادة حضور النساء داخل النظام السياسي، بل تمكينهن من المشاركة الفعلية في إنتاج السلطة وصنع القرار وإعادة تشكيل قواعد المجال السياسي وأولوياته.
 

أخبار متعلقة